عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

114

أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور

وكل ما ورد من هذه الآثار فإنه محمول على أن الأرواح تنتقل من مكان إلى مكان ، ولا يدل على أنها تستقر في موضع من الأرض . واللّه أعلم . ويشهد لهذا ما روي عن شهر بن حوشب ، قال : كتب عبد اللّه بن عمر إلى أبيّ بن كعب ، يسأله أين تلتقي أرواح أهل الجنة وأهل النار . فقال : أما أرواح أهل الجنة فبالبادية ، وأما أرواح الكفار فبحضر موت . ذكره ابن منده تعليقا . وقالت طائفة من الصحابة : الأرواح عند اللّه عزّ وجلّ . وقد صح ذلك عن عمرو ، وقد سبق قوله . وكذلك روي عن حذيفة ، خرّجه ابن منده ، من طريق داود الأودي ، عن الشعبي ، عن حذيفة ، قال : إن الأرواح موقوفة عند الرحمن عزّ وجلّ ، تنتظر موعدها ، حتى ينفخ فيها . وهذا إسناد ضعيف . وهذا لا ينافي ما وردت به الأخبار من محل الأرواح على ما سبق . وقال طائفة : أرواح بني آدم عند أبيهم آدم عن يمينه وشماله ، وهذا يستدل له بما في الصحيحين ، عن أنس ، عن أبي ذر ، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، قال : « فرج سقف بيتي وأنا بمكة » ، فذكر الحديث وفيه : « فلمّا فتح ، علونا السماء الدنيا ، فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة ، وعلى يساره أسودة ، فإذا نظر قبل يمينه ضحك ، وإذا نظر قبل شماله بكى ، فقال : مرحبا بالنبي صالح [ والابن الصالح ] . قلت لجبريل : من هذا ؟ قال : هذا آدم ، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه ، فأهل اليمين منهم أهل الجنة ، والأسودة التي عن شماله أهل النار ؛ فإذا نظر عن يمينه ضحك ، وإذا نظر عن شماله بكى . . . » وذكر بقية الحديث « 1 » . وظاهر هذا اللفظ يقتضي أن أرواح الكفار في السماء ، وهذا مخالف لقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ [ الأعراف : 40 ] . وكذلك حديث البراء وأبي هريرة وغيرهما ، أن السماء لا تفتح لروح الكافر ، وأنها تطرح طرحا ، وأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قرأ : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ [ الحج : 31 ] . ولذا حمله بعضهم على أن هذه الأرواح التي عن يمين آدم وشماله هي أرواح بنيه التي لم تخلق أجسادهم بعد ، وهذا في غاية البعد مع منازعة بعضهم في خلق الأرواح قبل أجسادها . وقد ورد من حديث أبي هريرة ، ما يزيل هذا الأشكال كله ، من رواية أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس عن أبي العالية وغيره ، عن أبي هريرة ، فذكر حديث الإسراء

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 349 ) و ( 3342 ) ومسلم ( 163 ) .